بداية مرحلة المجد
يُعد انتقال محمد صلاح إلى نادي ليفربول الإنجليزي في صيف عام 2017 من أبرز الصفقات في تاريخ كرة القدم الحديثة، ليس فقط بسبب الأداء المذهل الذي قدمه اللاعب المصري بعد انضمامه، بل لأنه شكّل نقطة تحوّل حقيقية في مسيرته المهنية، وأعاد رسم ملامح الفريق الإنجليزي نحو البطولات الكبرى.
—
1. البدايات قبل ليفربول
قبل وصوله إلى ليفربول، كان محمد صلاح قد مرّ بتجارب احترافية متنوعة في أوروبا. بدأ رحلته من المقاولون العرب في الدوري المصري الممتاز، حيث لفت الأنظار بمهاراته وسرعته. ومن هناك، انتقل إلى نادي بازل السويسري عام 2012، الذي كان بوابته الأولى نحو كرة القدم الأوروبية.
في بازل، أثبت صلاح نفسه سريعًا بتألقه في الدوري المحلي ودوري أبطال أوروبا، ليجذب اهتمام الأندية الكبرى، وعلى رأسها تشيلسي الإنجليزي الذي ضمّه في يناير 2014.
لكن تجربة صلاح في تشيلسي لم تكن ناجحة، إذ لم يمنحه المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو الفرصة الكافية، فانتقل على سبيل الإعارة إلى فيورنتينا ثم روما في الدوري الإيطالي، وهناك تألق بصورة لافتة، وسجّل العديد من الأهداف وصنع مثلها، ليصبح أحد أهم نجوم “الذئاب”.
—
2. انتقاله إلى ليفربول
في يونيو 2017، أعلن نادي ليفربول رسميًا التعاقد مع محمد صلاح قادمًا من روما الإيطالي، في صفقة بلغت قيمتها حوالي 42 مليون يورو (تُقدّر بـ 36.9 مليون جنيه إسترليني آنذاك)، بالإضافة إلى حوافز إضافية تصل إلى 8 ملايين يورو.
بهذا الرقم، أصبح صلاح أغلى لاعب في تاريخ ليفربول حينها، وأغلى لاعب عربي وإفريقي في تاريخ الدوري الإنجليزي حتى ذلك الوقت.
الصفقة تمت بعد مفاوضات ناجحة قادها المدير الرياضي لليفربول مايكل إدواردز، بطلب مباشر من المدرب الألماني يورغن كلوب، الذي رأى في صلاح الجناح السريع القادر على تنفيذ أسلوب الضغط والهجوم المرتد الذي يعتمد عليه الفريق.
—
3. بداية الأسطورة في آنفيلد
منذ ظهوره الأول بقميص ليفربول في موسم 2017–2018، قدّم محمد صلاح أداءً استثنائيًا، فسجّل 44 هدفًا في جميع المسابقات، بينها 32 هدفًا في الدوري الإنجليزي الممتاز، ليحطم الرقم القياسي لعدد الأهداف في موسم واحد بنظام 38 مباراة.
نال على إثر ذلك جائزة الحذاء الذهبي، وجائزة أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي من رابطة اللاعبين المحترفين.
لم يكتفِ صلاح بالأرقام الفردية، بل ساهم في قيادة ليفربول إلى نهائي دوري أبطال أوروبا 2018، قبل أن يتعرض لإصابة قوية في الكتف بعد احتكاك مع سيرجيو راموس لاعب ريال مدريد، ويغادر الملعب باكيًا. تلك اللحظة كانت مأساوية، لكنها أصبحت شرارة لإصرار أكبر في المواسم التالية.
—
4. عصر البطولات مع ليفربول
واصل محمد صلاح التألق في المواسم التالية، وشكّل مع زميليه ساديو ماني وروبرتو فيرمينو ثلاثيًا هجوميًا مرعبًا، صنّفه الخبراء ضمن الأقوى في العالم.
وفي عام 2019، حقق صلاح ورفاقه الحلم الغائب منذ سنوات، حيث قادوا ليفربول إلى التتويج بلقب دوري أبطال أوروبا بعد الفوز على توتنهام في النهائي، وسجّل صلاح الهدف الأول في المباراة من ركلة جزاء.
وفي الموسم التالي (2019–2020)، ساهم صلاح بشكل أساسي في تحقيق لقب الدوري الإنجليزي الممتاز بعد غياب دام 30 عامًا، ليصبح رمزًا خالدًا في تاريخ النادي.
—
5. تأثيره خارج الملعب
امتد تأثير محمد صلاح إلى ما هو أبعد من كرة القدم.
فقد أصبح رمزًا عالميًا للنجاح العربي والإفريقي في أوروبا، ونموذجًا يُحتذى به في التواضع والالتزام.
كما ساهم في تحسين صورة المسلمين في إنجلترا، إذ كشفت دراسات بريطانية أن تزايد شعبية صلاح بين جماهير ليفربول ساهم في انخفاض معدلات الإسلاموفوبيا في المدينة بنسبة ملحوظة.
إلى جانب ذلك، يحرص صلاح على القيام بأعمال خيرية في قريته “نجريج” بمحافظة الغربية في مصر، مثل بناء المدارس والمستشفيات، مما زاد من شعبيته ومحبة الناس له داخل بلده وخارجه.
—
6. إرثه في ليفربول
مع مرور السنوات، أصبح محمد صلاح أحد أعظم لاعبي ليفربول عبر التاريخ.
دخل قائمة الهدافين التاريخيين للنادي، متجاوزًا أساطير مثل مايكل أوين وستيفن جيرارد، وحصد العديد من الجوائز الفردية، مثل:
جائزة أفضل لاعب في ليفربول أكثر من مرة.
جائزة لاعب العام في إفريقيا مرتين (2017 و2018).
جائزة هدف الموسم من رابطة الدوري الإنجليزي.
ولا يزال حتى اليوم (2025) أحد أهم ركائز الفريق وأبرز نجوم الدوري الإنجليزي الممتاز.
—
الخاتمة
يمكن القول إن انتقال محمد صلاح إلى ليفربول لم يكن مجرد صفقة كروية، بل قصة نجاح إنسانية ورياضية ملهمة.
فمن لاعب مصري شاب بدأ من قرية صغيرة في دلتا النيل، إلى نجم عالمي يسطع في سماء آنفيلد، كتب صلاح فصلاً جديدًا في تاريخ كرة القدم، وأثبت أن الإصرار والموهبة يمكن أن يصنعا المعجزات.