“اتاخد غدر.. خيرى المدنى شهيد الأمانة والنخوة في مزرعة الموت”
في زمن أصبح فيه الوفاء عملة نادرة، تظل القصص المؤلمة التي تدمى لها القلوب شاهدة على أن الظلم لا يدوم، وأن يد العدالة لا بد أن تصل، ولو بعد حين. من بين هذه القصص، تبرز فاجعة رحيل خيرى المدنى، الرجل الذي دافع عن الأمانة والشرف، فدفع حياته ثمناً لموقف بطولي ضد الطمع والفساد.
“اتاخد غدر، مشي من غير ما يودّع أهله، وساب وجع في قلب كل حد عرفه. ربنا يرحمك يا عم خيرى، ويجعل مثواك الجنة.”
وقائع الجريمة: غدر فجائي في حفرة العمل
تحمل القضية رقم 3087 لسنة 2025 جنايات النوبارية، تفاصيل مأساوية لا يمكن نسيانها. وقعت الجريمة داخل مزرعة يملكها رجب محمد رجب، بمركز أبو المطامير بمحافظة البحيرة. وتحت إشراف نيابة وادي النطرون التابعة لنيابة جنوب دمنهور الكلية، بدأت تفاصيل الحكاية تنكشف مع اعترافات صادمة أدلى بها القاتل رمضان محروس حسن بدوي.
القاتل كان عاملاً بالمزرعة، ونشبت بينه وبين المجني عليه خيرى المدنى عدة مشادات كلامية على فترات متباعدة. وكان خيرى يقف دائمًا بالمرصاد لمحاولات رمضان لسرقة المواشي والحديد والصاج وبعض الممتلكات من المزرعة، مما جعله هدفًا للحقد والكراهية.
الكمين القاتل: لحظة الغدر
في لحظة غدر جبانة، استغل رمضان بدوي وجود خيرى داخل حفرة مخصصة للعمل، وانهال عليه بفأس كبير الحجم على رأسه ورقبته، ثم وجه له ثلاث ضربات قوية على ظهره، أنهت حياته في الحال. وبعد ارتكاب الجريمة، دفن القاتل الجثمان داخل الحفرة، محاولًا إخفاء فعلته.
ورغم التستر عليه من قبل صاحب المزرعة، إلا أن صوت الحق لم يسكت، بعدما أبلغ محمد خيرى المدنى، نجل الضحية، الجهات المختصة بواقعة اختفاء والده، ليبدأ التحقيق في الجريمة وكشف تفاصيلها المفجعة.
النيابة تتحرك.. وتشريح الجثمان يكشف المستور
تحركت نيابة وادي النطرون بسرعة بعد تقديم البلاغ، لتُكلف النيابة المستشار أحمد سامح بندب الطبيب الشرعي لتشريح الجثمان وتحديد أسباب الوفاة. وعند استخراج الجثة، كانت المفاجأة صادمة:
-
الجثمان كان يرتدي قميصًا رماديًا بأكمام وبنطالًا رياضيًا أسود اللون.
-
وُجدت إصابتان خطيرتان في الرأس والرقبة من الجهة الخلفية.
-
الأداة المستخدمة في الجريمة كانت فأسًا زراعيًا كبيرًا، بيد خشبية طويلة، وسلاح معدني حاد، عليه آثار يُشتبه بأنها دماء.
صاحب المزرعة: شبهة تستر وجريمة صامتة
كشفت التحقيقات عن شبهة تستر من قِبل صاحب المزرعة رجب محمد رجب، الذي حاول إخفاء معالم الجريمة، ما يثير تساؤلات عديدة حول دوره، وما إذا كان مجرد شاهد صامت أم متواطئًا فعليًا. الجهات المختصة تواصل تحقيقاتها حاليًا لمعرفة كل أبعاد التستر.
صرخة من قلب موجوع: العدالة لخيرى
وفاة خيرى المدنى لم تكن مجرد جريمة قتل، بل خيانة لرفيق عمل، ولرجل عاش نزيهًا، مخلصًا، فكان جزاؤه الغدر. خيم الحزن على أهالي القرية وكل من عرفه، وكانت الرسالة الأبرز:
“الحق عمره ما بيروح، وربك كبير. ولعلك ف مكان أحسن من هنا، نسأل الله لك الرحمة والمغفرة.”
رسالة ختامية.. من الألم يولد الأمل
رحل خيرى وترك وراءه حكاية من الوفاء، تُروى كعبرة للأجيال القادمة. عسى أن يكون دمه الزكي بدايةً لصحوة ضمير، وأن تصل العدالة إلى كل من شارك في هذه الجريمة، سواء بالفعل أو بالصمت.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
رحمك الله يا خيرى، وأسكنك فسيح جناته.
وستبقى ذكراك أبد الدهر، نبراسًا للصدق، ورمزًا للشهامة.
